أحمد الفاروقي السرهندي
183
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
الحمد للّه وسلام على عباده الذين اصطفى ( اعلم ) أنّ العرش المجيد من عجائب مصنوعات الحقّ سبحانه وبرزخ بين عالم الخلق وعالم الامر في العالم الكبير وفيه وصف من هذا ووصف من ذاك . وعالم الخلق الذي خلق في ستّة أيّام والأرض والسّموات والجبال الّتي وقع ذكرها في قوله تعالى خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ الآية . إيجاد العرش مقدّم على خلق هذه كما قال اللّه تبارك وتعالى هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ * « 1 » وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ « 2 » بل يفهم تقدّم خلقه من هذه الآية أيضا . فالعرش المجيد كما أنّه ليس من جنس الأرض ليس من جنس السّموات أيضا فإنّ له حظّا وافرا من عالم الامر أيضا ليس شيء منها لهؤلاء . غاية ما في الباب أنّ مناسبته للسّموات أزيد منها للأرض فلا جرم عدّ من السّموات وإلّا فكما انّه ليس من الأرض ليس من السّموات في الحقيقة فلا جرم تكون آثار الأرض والسّموات وأحكامهما مغايرة لآثار العرش وأحكامها بقيت معاملة الكرسيّ والذي يفهم من قوله تعالى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ « 3 » أنّ الكرسيّ أيضا مغاير للسّموات والأرض وأوسع منهما ولا شكّ أنّ الكرسيّ ليس من عالم الامر فإنّه قيل إنّه تحت العرش . ومعاملة عالم الامر فوق العرش فإذا كان من عالم الخلق يكون خلقه مغايرا لخلق السّموات وينبغي أن يكون خلقه في ما وراء الايّام السّتّة ولا يلزم من هذا المعنى محذور أصلا فإنّه تعالى لم يخلق تمام عالم الخلق في هذه الايّام السّتّة فإنّ خلق الماء كان فيما وراء هذه الايّام السّتّة ومقدّما عليها كما مرّ . ولمّا لم تكن معاملة الكرسيّ مكشوفة لنا كما ينبغي أخّرنا تحقيقه إلى وقت آخر راجيا من كرم الحقّ جلّ وعلا رَبِّ زِدْنِي عِلْماً « 4 » ومن هذا التّحقيق ارتفع اعتراضان قويّان أحدهما إنّه إذا لم تكن السّموات والأرض من أين كان تعيين الايّام السّتّة وتشخيصها وكيف افترق يوم الأحد من يوم الاثنين وكيف امتاز يوم الثلاثاء من يوم الأربعاء وبأيّ وجه صار يوم الخميس متميّزا من يوم الجمعة . ولمّا علم سبقة خلق العرش على خلق الأرض والسّموات صار حصول الزّمان متصوّرا واتّضح ثبوت الايّام واندفع الاعتراض ومن أين يلزم كون امتياز الايّام مخصوصا بطلوع الشّمس وغروبها الا ترى انّ الجنّة ليس فيها طلوع ولا غروب وامتياز الايّام ثابت كما ورد في الاخبار والاعتراض الثاني الذي اندفع مخصوص بعلوم الفقير وهو أنّه قد ورد في الحديث القدسيّ " لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن " فإنّه يفهم من هذا الحديث أنّ الظّهور الاتمّ مخصوص بقلب المؤمن وإنّ هذه الدولة غير ميسّرة لغيره . وأنت قد كتبت في مكتوباتك خلافه حيث قلت : إنّ الظّهور الاتمّ للعرش المجيد والظّهور القلبيّ لمعة من الظّهور العرشيّ وعلم من التّحقيق السّابق
--> ( 1 ) الحديد : 4 ( 2 ) هود : 7 ( 3 ) البقرة : 255 ( 4 ) طه : 114